ابن كثير

193

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

وزكاة وتقى ، عطف بذكر طاعته لوالديه وبره بهما ، ومجانبته عقوقهما قولا وفعلا ، أمرا ونهيا ، ولهذا قال : وَلَمْ يَكُنْ جَبَّاراً عَصِيًّا ثم قال بعد هذه الأوصاف الجميلة جزاء له على ذلك وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا أي له الأمان في هذه الثلاثة الأحوال . وقال سفيان بن عيينة : أوحش ما يكون المرء في ثلاثة مواطن : يوم يولد فيرى نفسه خارجا مما كان فيه ، ويوم يموت فيرى قوما لم يكن عاينهم ، ويوم يبعث فيرى نفسه في محشر عظيم ، قال : فأكرم اللّه فيها يحيى بن زكريا فخصّه بالسلام عليه ، فقال : وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا رواه ابن جرير عن أحمد بن منصور المروزي عن صدقة بن الفضل عنه . وقال عبد الرزاق : أخبرنا معمر عن قتادة في قوله : جَبَّاراً عَصِيًّا قال : كان ابن المسيب يذكر قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم « ما من أحد يلقى اللّه يوم القيامة إلا ذا ذنب إلا يحيى بن زكريا » قال قتادة : ما أذنب ولا هم بامرأة « 1 » ، مرسل ، وقال محمد بن إسحاق عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب ، حدثني ابن العاص أنه سمع النبي صلّى اللّه عليه وسلم قال : « كل بني آدم يأتي يوم القيامة وله ذنب ، إلا ما كان من يحيى بن زكريا بن إسحاق هذا مدلس ، وقد عنعن هذا الحديث ، فاللّه أعلم . وقال الإمام أحمد « 2 » : حدثنا عفان ، حدثنا حماد ، أخبرنا علي بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال : « ما من أحد من ولد آدم إلا وقد أخطأ أو هم بخطيئة ، ليس يحيى بن زكريا وما ينبغي لأحد أن يقول أنا خير من يونس بن متى » وهذا أيضا ضعيف ، لأن علي بن زيد بن جدعان له منكرات كثيرة ، واللّه أعلم . وقال سعيد بن أبي عروبة عن قتادة أن الحسن قال : إن يحيى وعيسى عليهما السلام التقيا ، فقال له عيسى : استغفر لي أنت خير مني ، فقال له الآخر : استغفر لي أنت خير مني ، فقال له عيسى : أنت خير مني سلمت على نفسي ، وسلم اللّه عليك فعرف واللّه فضلهما . [ سورة مريم ( 19 ) : الآيات 16 إلى 21 ] وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا ( 16 ) فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجاباً فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا ( 17 ) قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا ( 18 ) قالَ إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا ( 19 ) قالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا ( 20 ) قالَ كَذلِكِ قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكانَ أَمْراً مَقْضِيًّا ( 21 ) لما ذكر تعالى قصة زكريا عليه السلام ، وأنه أوجد منه في حال كبره وعقم زوجته ولدا زكيا طاهرا مباركا ، عطف بذكر قصة مريم في إيجاده ولدها عيسى عليهما السلام منها من غير أب ، فإن بين القصتين مناسبة ومشابهة ، ولهذا ذكرهما في آل عمران وهاهنا ، وفي سورة الأنبياء يقرن

--> ( 1 ) انظر تفسير الطبري 8 / 318 . ( 2 ) المسند 1 / 254 .